ثلاثة آلاف من متطرفى الإسلام السياسى هو الرقم المذهل الذى أفصحت عنه مؤخرا وزراة الداخلية البريطانية فيما يتعلق بالمتطرفين شديدى الخطورة بالإضافة إلى عشرين ألف من المتعاطفين مع المتطرفين.هذا الرقم طبعا خليط من المسلمين الذين ولدوا ببريطانيا والمهاجرين واللاجئين والمسلمين الجدد. ولكن الملفت للنظر أن أغلب من قام بالعلميات الإرهابية من 2005 مرورا بمانشستر ولندن هم أيضا من الجيل الثانى.

 أثارت هذه الموجة تساؤلات كثيره لعل من أبرزها التكوين الفكرى للمتطرفين. كيف تحول هؤلاء البريطانين المولد والنشاة إلى هذا المستنقع؟ولسيت هذه الأسئلة وليدة اليوم بل  تطرح منذ 2005 فى هجمات لندن الشهيره، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن لم تستبعد وسيلة من الواسائل من موضع المسائلة للإجابة على هذا السؤال، بدأ من وسائل اتصال العالم الإفتراضى إلى العالم الواقعى، ولعل من أوئل من تعرضوا لهذه الظاهرة البرامج التليفزيونية والإذاعية ومن بينها  القناة الرابعة وبرنامجها الشهير dispatches: lesson in hate and violence ( دروس فى الكراهية والعنف ) والذى طرح أسئلة حول  دور المدارس التكميلية فى الكراهية والعنف؟ ولعل ما يمهنى الآن هو النظر فى  المناهج و طريقة التعليم والمدرسين والمتابعة والتقيم  فى هذه المدارس غير الحكومية.

طبيعة المدراس

المدراس التكميلية التابعة للمساجد(94% من إجمالى المدراس ) أو مراكز تابعة للجاليات المسلمة فى بريطانيا  تدار غالبا فى العطلة الأسبوعية يومى السبت والأحد ومنها مدارس مسائية  تدار على مدار الأسبوع ،ومناهجها ليست موحده وبخاصة فيما يتعلق بمادة الدراسات الإسلامية. ولكن القاسم المشترك بين الجاليات المختلفة سواء من جنوب شرق أسيا أو الشرق الأوسط هو تعليم قراءة القرآن، ثم تعلم اللغة العربية إلى جانب اللغات القومية، الأوردو( الهنود والباكستان) أو التركية( الأتراك) أو البنغالية (بنجلادش)… إلخ،ثم الدراسات الإسلامية.تعلم قراءه القرآن هو الأولوية فى التعليم حيث يبدأ الطالب الصغير بتعلم  بعض الكلمات القرآنية من خلال كتب تسخدم غالبا فى جنوب شرق آسيا لتعليم قراءه القرآن فقط دون فهم للمعنى.بالطبع هذا الجانب ليس صلب الموضع، تعلم اللغة العربية أو اللغات المحلية سواء مجرد قراءه أو أى مهارات لغوية أخرى ليس هو بيت القصيد. الإشكال الحقيقى فى مناهج الدراسات الإسلامية،أو التفسيرات للنصوص الإسلامية المقدسة من قرآن وحديث. وكما هو معلوم الإشكال هنا فى التفسيرات والفهم للنصوص المقدسة وليست فى النصوص نفسها، ولا يعم هذا أيضا جميع المدراس بل أغلبها.

المناهج

المناهج فى الدراسات الإسلامية متأثرة بطبيعة الجالية وتوجها الفكرى، الأغلب مدارس سنية محافظة بعضها ذو توجه اسلام سياسى أو ديوبندي محافظ. ورغم أن المناهج  تركز على الجانب الفقهى فى العبادات،والعقائد،ودراسة السيرة،فإنها إلى جانب هذا تتبنى آراء محافظة ومتشدده فى السياق الإجتماعى والتى تمثل تحديا كبير لقيم التنوع والإختلاف التى تتميز بها الدول الغربية عامة و البريطانية على وجه الخصوص مثل تفسيراتهم لما يتعلق بالمرأه ومحاولة عزلها وتهميشها داخل وخارج الجالية. غالبا ما يتم التأكيد على قضية الإختلاط،،والسفور،وحرمة السفر دون محرم،وحرية العمل،ومساوتها بالرجل،قراءه رومانيتكيه لتمجيد فترات من التاريخ الإسلامى وبخاصة الخلافة مع نقد حاد للواقع أو ما يتعلق بالأخلاق فى المجتع الغربى ومخاصمته أو الدعوه الصريحه أو الضمنية لمناهضة قيم أخرى مثل المساوه،حرية التعبير،التسامح،الديمقراطية. تفسيرات معينه معادية للفنون،أو الحرية الشخصية،أومعادية للعقل والتفكير مثل الموقف إزاء نظرية التطور مثلا. تتجاهل المناهج غرس قيم إسلامية حديثة مثل المواطنة أو القيم الإنسانية المشتركه،وتزرع فيهم فقط سمو تعاليم الإسلام وأفضليته على غيره من الأديان وشطينة المخالفين من الأديان الأخرى دون أدنى محاولة لنقد علمى جاد. فكما ورد فى برنامج ” دروس فى الكراهية والعنف”، تم تسجيل صوت وصورة لأحد المدرسين وهو يقول لهم أنهم يجب أن يبتعدوا عن غير المسلمين كما يبتعدوا عن “الحيات والثعابين”،وكما حقر من الديانة الهندوسية وادعى أنهم يشربون بول البقر.بالطبع ممكن أن يكون هذا سلوك فردى لأحد المدرسين ولكن الحقيقة أن هذه المناهج ليس بها قيم تحث على  احترام القيم  الدينية المشتركة  بين الأديان عامة، ولا تعالج قضايا حساسة وموجوده ومثار اهتمام الطلاب مثل ظاهرة الخوف من الإسلام، العنصرية، المخدرات والعصابات والجريمة.

طرق التدريس

أما بالنظر لأسلوب التعليم أيضا فهو تقليدى يخالف أسلوب التعليم فى المدراس فى القطاع العام، فهو  قائم على الحفظ والإستظهار لا يدعو إلى التفكير النقدى والذى يتفاعل ويطرح تساؤلات ويشتبك مع  كل ظاهرة ومن بينها الأديان جميعا.كما أن أساليب العقاب أيضا بالية لا تليق بالمجتمع المعاصر تشتمل على إيذاء بدنى ونفسى للأطفال.أظهر نفس البرنامج المشار إليه آنفا مقاطع فيديو للمدرسين وهم يضربون الطلاب.

هيئة التدريس

والقائمون على عملية التعليم خليط من المدرسين المدربين فى خارج بريطانيا وآخرين يعملون بالتعليم فى المدراس الحكومية أو الخاصة، وأيضا الأئمة المدربين فى الخارج والداخل ( بعضهم لا يجيد اللغة الإنجليزية) ومتطوعين من الجالية ربما ليس لديهم أى مؤهلات سوى القدرة على قراءه النص القرآنى. وبتشديد قوانين الهجره والعمل يمكن القول أن الجيل القادم من المدرسين سيكونون من مواليد برايطانيا.

المتابعة والتقيم

أما المتابعة والتقيم، فلم تكن هذ المدراس خاضعة لأى نوع من الرقابة داخل الجالية أو خارجها، ولكن اقترحت حكومة دافيد كاميرون اخضاع هذه المدارس للمسلمين وغيرهم من الأديان الأخرى للرقابة من قبل هيئة تعليمية المعروفة بأوفستيد التى تشرف على التعليم العام، كما يجب على العاملين فيها التسجيل والنظر فى صلاحيتهم للعمل مع الأطفال من عدمه.

الخلاصة

  باختصار شديد،النطام التعليمى فى المدارس التابعة للمساجد والجاليات لا تساهم فى بناء مواطن يستطيع التوفيق بين متطلبات دينه ووطنه والحياه المعاصرة.لا تساعد المناهج الموجوده على خلق مسلم  قادر على التعايش فى مجتمع متعدد الثقافات والأعراق والديانات واللغات بل يمكن بمساعده عوامل أخرى أن تؤدى إلى أزمة هوية وانتماء واندماج وانعزال عن المجتمع بصفة عامة.

 المناهج المتداوله حاليا من شأنها فى تقديرى أن  تخلق صراع أو نزاع بين ما يطلبه الدين فى المسجد والجالية وبين المجتمع الواسع الذين يعيش فيه الطالب. فهى إن لم تؤدى إلى التطرف فى أسوأ الظروف فسوف تؤدى إلى خلق نزاع داخلى ربما يتطور بفعل عوامل أخرى إلى تطرف وربما يظل النزاع داخليا.يجب الإنتباه أن ما يدرس ويغرس فى  داخل الجالية و المسجد لا تتوقف آثاره على المسجد أو الجالية بل يمتد إلى المجتمع والمشترك العام الذى يعيش فيه أناس آخرون مختلفون.