Asharq al-Awsat

This is a cross-post from Asharq al-Awsat, written by Raneem Hannoush

ماجد نواز من قلب حزب التحرير إلى مستشار كاميرون لمحاربة الإرهاب

بعد اعتقال دام أربع سنوات في سجن طرة بمصر بتهمة الترويج للفكر المتطرف، وبعد التحاقه ببرنامج إعادة تأهيل لمنظمة العفو الدولية في بريطانيا، يتنحى المسؤول الدولي السابق عن التجنيد بجماعة حزب التحرير الإسلامية عن منصبه في الكيان المتطرف، تاركا وراءه التعصب السياسي والتطرف الديني. وينتزع ماجد نواز نفسه من قلب «لندنستان» لينشق عن التيار الأصولي ويستبدل فكرًا متعصبًا بآخر محارب للتطرف؛ إذ أضحى اليوم مدير مؤسسة «كويليام» لمكافحة التطرف في العاصمة البريطانية لندن، ومستشارًا لرئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، ليساهم برسم ملامح الخطة الاستراتيجية الأخيرة لمكافحة الإرهاب في البلاد

يستذكر نواز في حوار خاص لـ«الشرق الأوسط»، تجربته في السجون المصرية وانخراطه بحلقات النقاش التي ضمت عناصر من الإخوان والتكفيريين والثورة الفكرية التي غيرت مجرى حياته خلال سنواته التي قضاها في المعتقل. ففي ليالي الوحدة في الحبس الانفرادي عرف نواز أنّ الحركات الأصولية تخلق مناخًا راديكاليًا داخل شعوب العالم الإسلامي. ويؤكد نواز على أهمية برامج إعادة التأهيل للمقاتلين والمتطرفين العائدين إلى بريطانيا، على غرار حملة إعادة التأهيل التي احتضنته بعد إطلاق سراحه تحت رعاية منظمة العفو الدولية (أمنيستي)

استهل نواز طريقه بتأسيس منظمة «كويليام» اللندنية البحثية في عام 2008، لمكافحة التطرف و«الإسلاموية» وتعزيز مكانة المسلمين في المجتمع البريطاني. واستطاعت «كويليام» خلال سبع سنوات من مسيرتها، تغيير مسار الخطاب المتطرف خارج بريطانيا وداخلها، لتلعب المؤسسة أخيرًا دورًا محوريًا في استراتيجية لندن لمكافحة الإرهاب. وحول ذلك، يؤكد نواز الذي ساهم في كتابة خطاب رئيس الوزراء البريطاني في استراتيجية مكافحة الإرهاب، على أهمية أن يقود مسلمو بريطانيا النقاشات بشأن أخطار التطرّف بدلاً أن يقودها غيرهم

سافر ماجد نواز وهو مسلم بريطاني من أصول باكستانية بعد أن نال إجازة في الحقوق عام 2002، إلى مصر لدراسة اللغة العربية في جامعة الإسكندرية. وبعد فترة وجيزة اعتقل بتهمة الترويج لحزب التحرير الذي انتمى إليه آنذاك والمحظور في مصر. وخلال الأربعة أعوام التي قضاهم في سجن طرة، التقى نواز بمعتقلين منتمين لجماعة الإخوان ولجماعات تكفيرية، ومنهم محمد بديع المرشد العام للإخوان، وأمير حزب التحرير في مصر الشيخ صلاح هاشم مؤسس الجماعة الإسلامية، وسعد الدين إبراهيم، وأيمن نور، رئيس حزب الغد آنذاك

ويقول مسؤول التجنيد السابق لحزب التحرير لـ«الشرق الأوسط»، إنّ «النموذج المتعارف عليه لتحول المعتقلين في السجون، هو زيادة تطرفهم بسبب التعذيب الذي يتعرضون له»؛ إذ يؤكد بقوله: «السجون تعمل كحاضنات للتطرف من خلال التعذيب وحلقات النقاش، فمصطفى شكري، على سبيل المثال، انتقل من فكر الإخوان لفكر التكفير الجهادي خلال سنوات اعتقاله». ويستطرد بقوله: «يجب توخي الحذر من ظاهرة التطرف داخل السجون التي تحدث في بريطانيا أيضًا»

أما عن تجربته الشخصية في سجن طرة، يؤكد نواز أنّ عملية تحوله الفكرية كانت تدريجية وبطيئة، بدأت بمراحل الغضب الجم أثناء التعذيب والحبس الانفرادي. ومن ثم، وظّف نواز تلك المشاعر للمواظبة على التعلم والقراءة عن الفكر «الإسلاموي». وهنا يقول نواز: «كلما قرأت أكثر من المراجعات الإسلامية وناقشتها مع المعتقلين، منهم عناصر متهمون بقضية اغتيال الرئيس المصري الراحل أنور السادات، لاحظت أنّ علماء الدين اختلفوا في وجهات النظر، لتتحول تلك الخلافات في الكتب لطاقات جاهزة للانقلاب على الحكومات في الدول». ويستطرد بقوله مفسرًا: «تحول الفكر من سجالات آيديولوجية لأفكار ثورية. وبعدها تغير تفكيري تمامًا مع حلول موعد إطلاق سراحي في عام 2006»

وبعد إطلاق سراحه جراء حملة حقوقية أطلقتها منظمة العفو الدولية (أمنيستي)، استعان نواز ببرنامج إعادة التأهيل الذي وفرته المنظمة، وساعدته خلفيته الأكاديمية لصقل تفكير جديد محارب للتطرف. إلى ذلك، ينوه ماجد نواز بقوله: «استغرق الأمر نحو عشرة أشهر منذ إطلاق سراحي قرأت خلالها المراجعات للجماعات الإسلامية لأوجد العلاقة ما بين النصوص والآيديولوجية (الإسلاميوية)، وعندها انسحبت من حزب التحرير كليًا ونهائيًا»

واظب ماجد نواز على مراسلة أقرانه في الزنزانة عبر البريد الإلكتروني عند عودته إلى بريطانيا. وبعد ثورة 25 يناير، تواصل عناصر من الإخوان مع نواز، ومنهم الناطق الرسمي للجماعة آنذاك، عصام العريان، متحدثين عن آلية واستراتيجية العمل قبل تنحي الرئيس الأسبق حسني مبارك. إلا أن نواز خسر معظم صداقاته مع الجماعة عندما انتقدهم بعد تسلم الحكم. إذ يقول: «نصحت عبد المنعم أبو الفتوح بالابتعاد عن الإخوان وتبني فكر بعيد عن الإسلام السياسي كالذي يتبناه حزب النهضة في تونس؛ ولكن الإخوان فشلوا في ذلك، وكنت من منتقدي حكمهم في مصر»

وبعيدًا عن سنوات المعتقل، يشتاق ماجد نواز إلى مصر وإلى شاطئ الإسكندرية، فيقول: «كانت شرفتي تطل على البحر المتوسط وعلى الشاطئ الذهبي. أشتاق دومًا لطيبة الشعب المصري وخفة دمه». ويستطرد نواز مستذكرًا أول أيامه في مصر بقوله: «أحنّ لتاريخ مصر من الأهرام والأفلام القديمة الأصيلة وفناني الزمن الجميل كعبد الحليم حافظ وأم كلثوم»

توج ماجد نواز ثورته الفكرية بتأسيس منظمة «كويليام» لمكافحة التطرف عام 2008. ويدعو ميثاق المؤسسة المسلمين إلى اتخاذ موقف ضد الأصوليين الذين يعرضون خطابًا «يوفر الموسيقى التصويرية التي يتمايل على إيقاعها المهاجمون الانتحاريون». كما يقترح الميثاق أيضًا إنشاء «مراكز لاقتلاع التطرف» في المدن البريطانية الرئيسية، يتولى أمرها علماء مسلمون قادرون على مواجهة الخطابات المتشددة تشمل إدانات صريحة لأعمال الإرهاب. وحول ذلك، يقول مدير «كويليام»: «هدفنا الرئيسي من خلال حملاتنا هو جعل (الإسلاموية) آيديولوجية غير جذابة للشباب كأفكار الشيوعية التي هجرها العالم اليوم». ويستطرد بقوله: «بعيدًا عن الإسلام كدين سماوي، نحن نحارب فكرة تطبيق الاجتهادات الشخصية للإسلاموية على المجتمعات»

ويشير نواز إلى نجاحات حملات «كويليام» في بريطانيا وأميركا التي أدت إلى تغيير فكر الناس لتصل أصداؤها إلى تونس وباكستان وغيرها من الدول حول العالم. كما أصبحت المؤسسة توفر استشارات ونصائح لصنّاع القرار في الدول، وإرشادات للإعلام حول التعامل مع قضايا التطرف والأصولية. ويوضح نواز: «نعمل مع المجتمعات لتغيير النقاش السائد حول الإسلاموية وتوفير البدائل المتمثلة بمفكرين ومتحدثين يوفرون أهدافًا جديدة للفكر الإسلاموي بعيدة عن التطرف المتمثل بجماعات كتنظيم داعش

ومن تقارير المؤسسة الأخيرة، دراسة عن ماكينة تنظيم داعش الدعائية الإلكترونية، وآخر يطرح تصورًا لاستراتيجية حكومة بريطانيا لمكافحة التطرف خلال العقد القادم. ونشأ تعاون بين «كويليام» وحكومة كاميرون نتيجة التقرير الأخير

في خطاب ألقاه بمدينة برمنغهام الشهر الماضي، رسم رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، وبمساعدة من مدير مؤسسة «كويليام»، ملامح لاستراتيجية على مدى خمسة أعوام للقضاء على التطرف الداخلي من خلال أربعة محاور، وهي: القضاء على آيديولوجية التطرف، والوقوف في وجه عمليات التجنيد وغسل الأدمغة بالأفكار المتطرفة، وإعادة أصوات الإسلام المعتدل إلى المجتمع البريطاني، والتعامل مع أزمات الهوية التي يواجهها بعض المسلمين المولودين في بريطانيا

وحول التعاون ما بين «كويليام» والحكومة في تطوير الاستراتيجية، يقول نواز: «قبل ثلاثة أعوام، ساعدت كاميرون في كتابة خطاب مماثل ألقاه في مدينة ميونيخ الألمانية، ومع أن الخطاب كان مهمًا، لم تتخذ الحكومة البريطانية الإجراءات التعقيبية الكافية لتطبيق مقترحاته». ويتأمل نواز أن يصاحب خطاب كاميرون الأخير تحرك فعلي لمحاربة التطرف الداخلي، من خلال مخاطبة جذور ظاهرة التطرف في بريطانيا. ويؤكد نواز أن خطاب كاميرون، «يميز بوضوح ما بين الآيديولوجية الإسلاموية والإسلام كدين سلام»

من جانبه، أكد كاميرون أن المجتمع البريطاني «مجتمع ديمقراطي متعدد الأعراق والأديان»، مضيفًا أن «هذا المجتمع يحتوي جميع مواطنيه». ونوه بأنه سيعمل مع المسلمين داخل البلاد لمحاربة أفكار التطرف. إلى ذلك، يشدد نواز على «أهمية مشاركة المسلمين في النقاشات حول التطرف للتحدث عن الإسلام الحقيقي والفرق ما بين الإسلام كدين والاجتهادات الشخصية تحت اسم الدين التي تؤدي إلى ولادة التطرف، عوضًا من أن يقود تلك النقاشات غير المسلمين». ولكن، يحذر نواز من صعوبة الاحتواء الكامل للمسلمين في بريطانيا مشيرًا إلى أن الحكومة «وقعت، وقد تقع في عثرات بالتعامل معهم في المستقبل»

يذكر أن استراتيجية الحكومة البريطانية تضمنت مقترحات للقضاء على التطرف من خلال إعطاء الصلاحية لأهالي الشباب الذين يبدون قابلية للسفر إلى سوريا بإتلاف جوازات سفرهم، والتطرق للتجنيد والتطرف داخل السجون وعلى شبكة الإنترنت، وزيادة صلاحيات الحكومة في توقيف جماعات داخل البلاد تنشر الفكر المتطرف أو تحاول التجنيد، وغيرها

ومن الأهداف الرئيسية للاستراتيجية، مكافحة صعود من يطلق عليهم اسم «متطرفو الداخل»، وهو أمر، يقول كاميرون إنّه لا يمكن عمله من دون فهم الأسباب التي تجتذب الناس لـ«داعش» والتصدي لها. وحول ظاهرة المقاتلين الأجانب يوضح نواز أن تقدير عدد المجندين البريطانيين تفاوت بين المنظمات الحكومية؛ إذ قالت الخدمات الأمنية في البلاد إنه وصل إلى 500 مجند. وأما الداخلية البريطانية، فقد أشارت إلى أن العدد وصل إلى ألف مقاتل. ومن طرفه، صرح النائب البرلماني خالد محمود أن عدد المجندين وصل إلى ألفين

ويقول نواز إنه عند عودة المجندين إلى بريطانيا، «الحل لا يكمن بانتزاع جوازات سفرهم منهم». مضيفًا: «يجب أن يحاكم المجندون المدانون بالانتماء لتنظيمات متطرفة، ومن ثم أشدد على أهمية أن تصاحب المحاكمة برنامجًا لإعادة تأهيلهم ومحو فكرهم المتطرف». وينوه نواز بقوله: «ستبقى ظاهرة التجنيد موجودة في البلاد، إن لم تصاحب المحاكمات برامج إعادة التأهيل»

ومن خلال تجربته كمسؤول تجنيد سابق لحزب التحرير، يشير ماجد نواز إلى الفرق ما بين تنظيمات كالقاعدة والتحرير وتنظيم داعش في استقطاب المجندين، فيقول: «الفرق الأساسي هو العمر.. فتنظيم داعش يستقطب الجيل الإلكتروني الجديد الذي ولد مع نشوء الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل أو ما أسميهم (المواطنون الأصليون) للإنترنت». وهنا يؤكد نواز على أنّ المشكلة الملحة حول مواجهة تلك الظاهرة هي تأخر الحكومات في مواكبة ماكينة التنظيم الدعائية وافتقارها لداعية إلكترونية تقابل دعاية «داعش»

وينصح نواز الشباب المسلم بممارسة دينهم بحرية من غير الانجذاب لاجتهادات تحت اسم الدين تقود لطرق التطرف. ويقول: «الثورات العربية بدأها الشباب، ولم يكونوا إخوانًا، ونحن بحاجة لاسترجاع أسس ثورات الربيع العربي»

نواز متفائل من قدرة العالم للتغلب على التطرف ويراه أمرًا مفروغًا منه، ولكنه يحذر من أن عثرات في التاريخ قد تستغرق مئات السنين للتغلب عليه، وقد يكون المستقبل القريب أسوأ، لأن التاريخ «لا يمشي بخط مستقيم ومتتابع». ولكن، بحسب مدير «كويليام»، فإن «ظهور ونمو تنظيمات متطرفة كـ(داعش)، منح العالم الفرصة لإعادة النظر بعواقب الآيديولوجية الإسلاموية والاجتهادات تحت اسم الدين». إلى ذلك، سيستمر نواز على العمل مع الحكومة البريطانية عن قرب، وعلى مدى خمسة أعوام لتطبيق الاستراتيجية والقضاء على التطرف داخل البلاد

To read more articles on our blog, please click here.

Twitter: @QuilliamF

Facebook: Quilliam Foundation

YouTube: QuilliamFoundation